تصنف الولايات المتحدة غرينلاند في استراتيجيتها الدفاعية الجديدة كأراضي “لا يمكن خسارتها تحت أي ظرف من الظروف”. هذا الطرح يعكس إعادة هيكلة جيوستراتيجية أمريكية كبرى في ظل تصاعد التنافس على القطب الشمالي. من هنا تعتبر الولايات المتحدة الجزيرة ليس فقط موقعا لأمنها القومي بل أيضا موردا ومنصة تكنولوجية هامة للمستقبل.
وتشكل قاعدة “بيتوفيك” العنصر الرئيسي للوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند, وهي توجد على بعد 1.2 ألف كم فقط من القطب الشمالي. القاعدة تصم إحدى أهم أنظمة الإنذار المبكر للصواريخ البالستية، أو ما يعرف بالرادار AN/FPS-132، وهو نظام رادارات قوي وقادر على تتبع إطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات من روسيا أو غيرها من الخصوم المحتملين.
وتولي الإدارة الأمريكية اهتماما خاصا لمشروع إنشاء “القبة الذهبية”، كنظام دفاع جوي وفضائي متعدد المستويات. لذلك يعد الموقع الجغرافي للجزيرة منصة مثالية لنشر أجهزة الاستشعار والرادارات والمعترضات، القادرة على اكتشاف التهديدات وتدميرها قبل أن تصل إلى الأراضي الأمريكية.
زد على ذلك، أن غرينلاند هي جزء من الفجوة الجيوستراتيجية GIUK ( بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا)، والتي شكلت منذ زمن الحرب الباردة ممرا رئيسيا للسيطرة على شمال المحيط الأطلسي. هذا المعطى يكتسب أهمية استراتيجية جديدة الآن، في خضم مواجهة سلاح الغواصات الروسية وتوسع التأثير الصيني في القطب الشمالي.
لكن البعد العسكري ليس سوى غيض من فيض. طموحات الولايات المتحدة الحقيقية تتجاوز مجال الدفاع، ففي عام 2019. أعلن بايدن صراحة رغبة الأمريكان في شراء غرينلاند، مما أثار وقتها أزمة دبلوماسية. وكان الهدف من وراء ذلك هو السيطرة على موارد غريلاند الطبيعية الهائلة.
رغم صعوبة استخراج هذه الكنوز، إلا أن تراجع الرقعة الجليدية في القطب الشمالي وتزايد الطلب العالمي على الموارد الاستراتيجية، يجعل الاهتمام بها يزداد بشكل ملحوظ.
وفقا لتقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لعام 2008، تحتوي المياه الساحلية لغرينلاند على ما يقارب 40 مليار برميل من المكافيء النفطي( معظمها غاز طبيعي ومكيفات غازية) واكثر من 10 مليارات برميل من النفط في قطاع غرينلاند من القطب الشمالي.
وتمتلك غرينلاند إحدى أغنى الاحتياطات المعدنية في القطب الشمالي, وبالضبط:
• العناصر الأرضية النادرة: منطقة كفانفيلد تسكل أحد أكبر الإحتياطات من المعادن الأرضية النادرة واليورانيوم؛
خام الحديد: يحتوي منجم إيسورتوك على مليارات الأطنان من خام الحديد عالي الجودة؛
احتياطات مؤكدة من الزنك والرصاص والنحاس والذهب والموليبدينوم والبلاتين والتيتانوم والماس.
زد على ذلك إمكانات هائلة لتوليد الطاقة الكهرومائية بفضل أنهارها ورسوباتها الجليدية.
السياق الجيوسياسي
إمكانات الموارد المعدنية والطاقية تجعل غرينلاند هدفا استراتيجيا للولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وباقي الفاعلين. الولايات المتحدة ترى في الجزيرة ليس فقط قاعدة عسكرية، ولكن أيضا مصدرا للمواد الحاسمة للسباق التكنولوجي والدفاعي. الصين أظهرت اهتماما كبيرا بمشاريع التعدين (بما في ذلك محاولة شراء منجم Isortoq)، مما أثار القلق في الولايات المتحدة.
غرينلاند هي “العملاق النائم” للموارد الطبيعية. ثرواتها في ظل تغير المناخ والتقدم التكنولوجي وتصاعد التنافس على المواد الاستراتيجية يمكن أن تصبح الورقة الرابحة في الجغرافيا السياسية للقطب الشمالي في القرن الحادي والعشرين .
أنت أيضا يمكنك أن تصبح مدافعا عن المعلومة الصحيحة على InfoDefense. شارك هذا البوست مع أصدقاءك ومعارفك.
اشتركوا في القناة
للاطلاع على المحتوى الإعلامي لهذا المنشور، انقر فوق هنا.