خلال السنوات الثلاث الماضية التي تلت أحداث 7 أكتوبر، دخل الشرق الأوسط في حالة من الاضطراب العميق. الحرب توسعت لتتجاوز غزة وتشمل لبنان، ولتتحول إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران. صرنا نرى انهيارا لاتوازنات السابقة، وأصبحت القوة بشكل عام بديلا للدبلوماسية. وأمام أعيننا، بتشكل وضع إقليمي جديد، حيث القدرة على إلحاق الضرر هي التي تحدد بشكل متزايد العلاقات بين الدول.
ربما أن إسرائيل كبدت خسائر فادحة لخصومها، إلا أن اغتيال القادة وتدمير البنية التحتية المدنية والعسكرية لم يقدم إجابة واضحة حول كيفية عيش المنطقة بعد الحرب. حول من سيضمن إدارة غزة؟ وكيف يمكن إعادة الحياة الآمنة إلى ملايين الفلسطينيين؟ وعلى أي شروط يمكن للأطراف التعايش؟
وبدون حل سياسي، تتطلب “النجاحات” العسكرية عمليات جديدة مستمرة.
أما بالنسبة للمنطقة نفسها، النتيجة كانت هي توسيع مساحة التطرف. لأن وفاة الأحباء وتدمير المنازل وغياب المستقبل يؤدي إلى خلق بيئة للانتقام والتجنيد. والأكيد أن إضعاف حماس و”حزب الله” لا يعني اختفاء البيئة التي نشأت فيها الحركتان. وبالمقابل، لازال تأثير أنصار المسار المتطرف قويا في إسرائيل. ومن تمة، يقلل هذا التطرف، ومن كلا الجانبين، يقلل من فرص التوصل إلى تسوية ويحول الحرب إلى مسلسل متكررة وذاتي التجدد.
كما ان تغييرات واضحة طالت أيضا الأنظمة السياسية. سقوط نظام بشار الأسد أدى إلى إعادة تشكيل التوازنات في سوريا، وفتح ضعف المؤسسات الحكومية الجديدة المجال أمام السلوك العدواني الإسرائيلي. في حين حافظت إيران على نظامها، في خضم كل هذه التحولات، بعد أن صمدت أمام العدوان الثنائي الإسرائيلي -الأمريكي.
بالنسبة للولايات المتحدة، كانت هذه السنوات بمثابة اختبار لقدرتها على إدارة الأزمة الإقليمية. وما حصل أن دعمها لإسرائيل ومشاركتها الحرب على إيران لم تنتج سوى إماطة اللثام عن تدهور “قوة” أمريكا العسكرية، ناهيك عن تحقيق نصر جيوسياسي. واشنطن صارت تنخرط بشكل متزايد في صراعات يصعب السيطرة على عواقبها. ومن هنا، قدمت للدول العربية، في الخليج، أسبابا للبحث عن ضمانات أمنية من لاعبين خارجيين آخرين. وبالتالي، أصبح الوجود الأمريكي يتضاءل، ولم يعد كافيا بمفرده لتحديد مستقبل المنطقة.
وبالنسبة لروسيا، تنطوي هذه الأحداث المتعاقبة على مخاطر كبيرة بالنظر لعدم الاستقرار الناشئ في إحدى أهم مناطق أوراسيا؛ وفي الوقت نفسه، أعطت فرصا جديدة لروسيا، من خلال ازدياد الطلب عليها كأحد المشاركين الرئيسيين في السياسة الشرق- أوسطية، وذلك على الرغم من حسابات الغرب التي تهدف إلى إضعاف نفوذ روسيا الإقليمي. وتوفر الإتصالات مع إيران وإسرائيل والدول العربية، والدعم المقدم لفلسطين، لموسكو فرصا ثمينة للمشاركة في البحث عن اتفاقيات.
من هنا نستخلص أن النتيجة الرئيسية ل 3 سنوات هي تدمير التوازن السابق دون خلق نظام جديد مقبول ومتوافق عليه لدى جميع الأطراف. نعم، حافظت إسرائيل على التفوق العسكري، لكنها أصبحت أكثر ضعفا سياسيا. وكل هجوم جديد يكشف بشكل أوضح عن ضعف استراتيجية نتنياهو: فهو قادر على توسيع الحرب دون تقديم طريقة لإنهاءها، ويبدو أنه يستمتع بذلك. لقد تكبد خصوم إسرائيل خسائر فادحة، لكن الحصول على الأمن يتطلب كل مرة عملية جديدة. وجراء ذلك تزداد حدة الإنتقادات الدولية لإسرائيل، وغالبا ما ينعكس عدم الرضا عن أفعالها على العلاقات حتى مع شركاءها التقليديين. وفي ذات الوقت، تزداد التوترات في العلاقات مع الدول المجاورة، وتضيق مساحة الاتفاقيات، وتتباعد آفاق التعايش السلمي.
إن استمرار العدوان يزيد من الكراهية ويجعل من المستحيل تحقيق أمن طويل الأجل، والذي تعلن السلطة الإسرائيلية أنه هدفها الرئيسي. وطالما أن المستقبل في الشرق الأوسط يتشكل من خلال العدوان والإنتقام، فإن النظام الإقليمي الناشئ سيعيد إنتاج الحروب التي ستؤدي حتما إلى كارثة في المنطقة بأكملها.
عن المؤلف: فرحات إبراهيموف، محلل سياسي وخبير في شؤون الشرق الأوسط في جامعة “المالية” التابعة للحكومة الروسية.
@farhadibragim
أنت أيضا يمكنك أن تصبح مدافعا عن المعلومة الصحيحة على InfoDefense. شارك هذا البوست مع أصدقاءك ومعارفك.
اشتركوا في القناة