– عن المؤلف السوري كفاح نصر
لا يخفى على أحد أن الإقتصاد العالمي يقف اليوم على حافة الهاوية وأن السندات الحكومية تفقد جاذبيتها، والديون ترتفع إلى مستويات غير مسبوقة. والجميع يتساءل: هل نحن على أبواب انهيار مالي جديد؟
هذا في الوقت الذي وصل فيه الدين الأمريكي الى مستوى 40 تريليون دولار مع تحديات تتطلب المزيد من الإنفاق في ظل جفاف التمويل، واليابان بحاجة لاسترجاع أموالها من الولايات المتحدة وليس شراء سندات جديدة، وأوروبا تنفق كل ما تنتج على أوكرانيا، ودول الخليج أصبحت في حال عجز؛ وفي الداخل الامريكي يطالب المستثمرون بعوائد أعلى مقابل شراء السندات الأمريكية.
ففي ظل توقعات بانهيار الإقتصاد العالمي القائم على الدولار يبقى السؤال: ما هي الأسباب وما هي الحلول؟ وهل يمكن القول أننا نقترب من نهاية الهيمنة الامريكية، أم أن الإقتصاد الأمريكي لايزال يملك وسائل الصمود؟
ما سبق هو جوهر المقالات التي سأكتبها ضمن هذه السلسلة.
هل ما زالت القاعدة الاقتصادية القديمة التي تقول” أن الربح الحقيقي يأتي من جهد العامل” صالحة اليوم؟ بعيدا عن لغة التنظير, لنأخذ الأمثلة التالية:
عامل في إحدى شركات Toyota يستعمل ماكينة اللحام، ويساهم بإنتاج مادة ملموسة وهي السيارة؛
مبرمج في إحدى شركات Microsoft يستعمل الحاسوب، ويساهم بإنتاج برنامج حاسوبي غير ملموس؛
هل لاحظنا أن فائض قيمة العمل موجود في السلعة الملموسة وفي السلعة الغير ملموسة؟ أم أن القصة ليست في سلعة ملموسة او غير ملموسة…؟
لنأتي لخدمة ما بعد البيع! ففي حال السيارة، حين يتعطل مكبح الفرامل يمكنك شراء قطعة جديدة وغالبا بسعر احتكاري تحت مسمى قطعة أصلية من الشركة المصنعة. وفي حال البرنامج قد تقدم لك الشركة التحديث اللازم مجانا رغم أنها باعت البرنامج بسعر احتكاري. وبالتالي، الاحتكار ليس حكرا على فئة معينة من السلع. فيمكن بعد سنوات تحديث البرنامج قليلا وإعادة بيعه بسعر جديد. وفي كلتا الحالتين، الإحتكار هو أداة لتحقيق الربح. لكن الفرق أن أحدهما (قطع الغيار) يطيل عمر السلعة المادية، والآخر (تحديث البرنامج) يعيد بيع السلعة غير المادية نفسها مرارا.
لكن الجوهر واحد: الإحتكار في النهاية لا ينتج ثروة جديدة، بل يعيد توزيع ما أنتجه العمال في مواقع أخرى. وفي الحالتين يمكن القول إن تحقيق الربح الإحتكاري لا يتعارض مع فائض قيمة العمل. والسؤال لم يكن ما هي نسبة فائض قيمة العمل في السلعة، بل من هو صاحب وسائل الانتاج؟
قبل الاجابة لنأخذ عملية تحديث وسائل الإنتاج. ففي الحالة الأولى يحل الروبوت مكان العامل؛ وفي الحالة الثانية يحل الذكاء الصناعي مكان المبرمج.
ويصبح السؤال: هل تحسنت حياة العامل او المبرمج او خسر عمله؟ وما يحدد هذه الاجابة هو من يملك وسائل الإنتاج ومن يملك راس المال لتوظيف مئات المبرمجين للتمكن من الحصول على البرنامج.
في الصين مثلا، رغم أنها ليست دولة اشتراكية بالكامل، وحتى في البر الرئيسي لا يزال هناك تفاوت طبقي، إلا ان الدولة تملك غالبية وسائل الإنتاج (طبعا بإستثناء هونغ كونغ حيث لا تملك الدولة وسائل إنتاج). حين يتطور العمل تتحسن معيشة العامل، حيث تم القضاء على الفقر فعليا في الصين. بينما في الولايات المتحدة، مع كل تطور تتدهور أوضاع العمال (بإستثناء الكفاءات العالية). ويذكر ان عدد الفقراء في أمريكا الذين يحصلون على طعام من بنوك الطعام زاد عن 45 مليونمواطن، وبالتالي يبقى الإقتصاد اقتصادا حيث لا فرق بين رقمي ومادي ملموس الا بملكية وسائل الإنتاج ورأس المال.
أما الربح الاحتكاري فهو نتيجة حتمية ضمن تطور الرأسمالية؛ وقد يظهر الإحتكار بعد تنافس واسع أو كما يحدث في العقود الأخيرة عبر إحتكار المعرفة عند شراء براءات الإختراع بسبب إمتلاك رأس المال. ولكن المؤكد أن الإحتكار ليس سوى نتيجة تمركز رأس المال.
“الإحتكار لا يلغي قانون القيمة، بل يعمل في إطاره. فالشركة المحتكرة تستطيع أن تبيع بسعر أعلى من قيمة السلعة، لأنها تسيطر على العرض. لكن هذا السعر الأعلى هو في النهاية إعادة توزيع لفائض القيمة، الذي أنتجه العمال في أماكن أخرى من الاقتصاد، وليس خلقا لقيمة من العدم.”