– عن المؤلف السوري كفاح نصر
في الجزء الأول، تحدثت عن أنه لا فرق بين كاتب الكتب المقدسة في العهد القديم على أوراق البردي وبين كاتب برامج الكومبيوتر على الأقراص الصلبة الآن؛ فكلاهما يبيع قوة العمل أو الجهد. ورغم ظهور العالم الرقمي، لا تزال القاعدة الاقتصادية التي تقول ” إن الربح الحقيقي يأتي من الجهد الذي يبذله العامل” صالحة حتى اليوم.
وتطرقت للإحتكار وهي النقطة التي تحتاج الى توسع؛ ومن هذه النقطة أعود الى أسس الإقتصاد في تسعير المادة، لفهم ما هية الإحتكار.
على سبيل المثال:
عامل إنتاج الحديد ينتج في اليوم 100 كغ حديد، ومستخرج الذهب ينتج غرامين من الذهب يوميا. وكاتب الكتب ينتج كتابا في اليوم. طبعا هذه الأرقام نموذج للشرح وليست الأرقام الحقيقية. وبناء على هذه الأرقام، فإن سعر كل 100 كغ حديد يساوي 2 غ ذهب، وكل كتاب سعره 100 كغ حديد. واذا أراد أحد تثمين سلعته بسعر أعلى من السعر الحقيقي سترتفع باقي الأسعار عاجلا ام آجلا ضمن قانون العرض والطلب. ولهذا السبب، كان الربح الحقيقي دائما ما يأتي من فائض قيمة العمل، أي من الفرق بين ما ينتجه العامل وما يحصل عليه كأجر, حيث يحصل العامل على أقل من قيمة عمله.
لكن التغيرات في العالم فرضت مصطلحات جديدة، ووجب تشريح ما يحدث في إطاره التاريخي. ومن هذه النقطة أعود مرة ثانية للذهب والدولار. من المعلوم ان الذهب كان عملة تداول، ولكي لا يخسر من قيمته بالإحتكاك ويفقد وزنه، تم وضع الذهب في المخازن وحلت مكانه أوراق نقدية (مثلا, لكل 2 غرام ذهب ورقة 100 ليرة). وبالتالي سعر كل 100 كلغ حديد (المثال السابق) يعادل 100 ليرة،وبالتالي كانت العملة تعبيرا عن مادة، أي أنها شكل من أشكال القيمة. ولكن منذ إلغاء إتفاق “بريتن وودز” من قبل واشنطن، بعد إفلاسها جراء حرب فيتنام، ظهر الدولار الغير محمي بقيمة ذهبية. أي ظهرت سلعة إحتكارية إسمها الدولار، الذي لا يمثل أي شكل من أشكال القيمة. في البداية لم تنجح ولكن مع ربط أسعار البترول بالدولار أصبحت هناك سلعة إحتكارية عنوانها الهيمنة على مصادر الطاقة، تستمد قيمتها من القوة العسكرية والهيمنة السياسية؛ وليس من إنتاج حقيقي. و تطلب هذه السلعة لنفسها سعرا غير متوازن مع السوق، أي ظهرت سلعة محتكرة، ثمنها يعتمد على قيمة عمل لم يتحقق بعد، أي أن قيمتها ليست ناتجة عن إنتاج سابق، بل عن قدرتها على الإستيلاء على قيمة مستقبلية. لأنه لا يوجد معادل ذهبي لهذه السلعة، وهي لا تعبر عن قيمة عمل حقيقي، ويتم مبادلتها بسلع لها قيمة عمل.
فما الذي حدث:
حسنا. بعد ظهور الدولار غير الذهبي أو ما يعرف ب “البترودولار”، ظهرت هناك سلعة يمكنها شراء المادة مع فائض قيمة العمل الموجودة في المادة، فكان رد فعل العالم بطرح سلعات متعددة تشبهها، وأصبحت كل عملات العالم الورقية غير محمية بالذهب (اتفاقيات جامايكا). ومع ذلك، بقي الدولار عملة التجارة الدولية وصاحب حصة الأسد في الإقتصاد العالمي.
وبالعودة لأسس الإقتصاد، نسأل السؤال التالي: ماذا سيحدث عند طرح سلعة إلزامية وإحتكارية، لا تحوي فائض قيمة العمل ولا تمثل أي شكل من اشكال القيمة؛ والحصول بقيمتها على سلعة تحوي فائض قيمة عمل؟
لنعد للمثال أعلاه. صاحب الكتب رفع سعر الكتاب من 100 كلغ حديد الى 200 كلغ حديد وفرض بالقوة على منتج الحديد ومنتج الذهب إبقاء قيمة سلعهم كما هي. ماذا ستكون النتيجة؟ سيكون على عامل انتاج الحديد رهن قيمة عمله التي لم يعملها بعد الحصول على الكتاب. وبالمختصر عليه الإستدانة.
إذا، الدين هو رهن للعمل المستقبلي من أجل الحصول على سلعة في الحاضر. والسؤال: هل تحقق هذا السيناريو في العالم الواقعي؟ هل غرق العالم في الديون؟ وهل تحول الدولار إلى وسيلة لنهب فائض قيمة العمل عن بعد؟
• نعم، هذا ما حدث بالضبط. وديون دول العالم أضعاف إنتاج العالم، وحصة كل أسرة أمريكية من الدين القومي 292 الف دولار.
سأتطرق للموضوع لاحقا بالتفصيل.
ولأن لكل فعل ردة فعل، بدأت الدول بخفض قيمة عملتها أمام الدولار، وبالتالي رفع أسعار المستوردات وخفض أسعار الإنتاج المحلي، وذلك لحماية اقتصادها. وهنا وللحفاظ على ميزة الإحتكار بدأ رأس المال العالمي بنقل صناعاته الى مناطق أخرى في العالم، ولا سيما أسيا. فأصبحت الدول ذات الكثافة السكانية العالية، مع أجور عمالة منخفضة هي وجهة الرساميل الغربية، وهكذا قام رأس المال العالمي بيده بتجميع العمال المحترفين والمهندسين الأكفاء في بقعة جغرافية واحدة وساهم بتحويل هذه البقعة الجغرافية الى قوة عالمية.
أنت أيضا يمكنك أن تصبح مدافعا عن المعلومة الصحيحة على InfoDefense. شارك هذا البوست مع أصدقاءك ومعارفك.
اشتركوا في القناة